ابن عجيبة

64

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة ، وهي مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ ؛ لأنه وقت القيام من المضاجع ، وطرح ما ينام فيه من الثياب ، ولبس ثياب اليقظة ، وربما يجدهم في هذا الوقت نائمين متجردين ، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ؛ وهي نصف النهار في القيظ ؛ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة ، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ؛ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة ، والالتحاف بثياب النوم . هي ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ، ومن نصبه ؛ فبدل من ثَلاثَ مَرَّاتٍ أي : أوقات ثلاث عورات ، وسمى كل واحد من هذه الأوقات عورة ؛ لأن الإنسان يختل تستره فيها « 1 » ، والعورة : الخلل ، ومنه سمى الأعور ؛ لاختلال عينه . روى أن غلاما لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته ، فنزلت « 2 » . وقيل : أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مدلج بن عمرو الأنصاري ، وكان غلاما ، وقت الظهيرة ، ليدعو عمر رضي اللّه عنه ، فدخل عليه وهو نائم قد انكشف عنه ثوبه ، فقال عمر رضي اللّه عنه : لوددت أن اللّه تعالى نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن ، فانطلق إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فوجده وقد نزلت عليه هذه الآية « 3 » . والأمر ، قيل : للوجوب ، وقيل : للندب . ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات ، فقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ أي : لا إثم عليكم ولا على المذكورين من المماليك والغلمان في الدخول بغير استئذان بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث ، أي : في الأزمنة التي بين هذه العورات الثلاث . ثم بيّن العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله : طَوَّافُونَ أي : هم طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ لحاجة البيت والخدمة ، بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي : بعضكم طائف على بعض ، أو يطوف على بعض ، والجملة : إما بدل مما قبلها ، أو بيان ، يعنى : أنكم محتاجون إلى المخالطة والمداخلة ، يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام ، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج ، وهو مدفوع بالنص ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي : كما بيّن الاستئذان ، يبين لكم غيره من الآيات التي تحتاجون إلى بيانها ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عباده ، حَكِيمٌ فيما دبّر وحكم به . وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أي : الأحرار دون المماليك الْحُلُمَ أي : الاحتلام ، وهو البلوغ ، وأرادوا الدخول عليكم فَلْيَسْتَأْذِنُوا في جميع الأوقات . قال القرطبي : لم يقل : فليستأذنوكم ، وقال في الأولى :

--> ( 1 ) في الأصول : « ستره » ، والمثبت من تفسير النسفي . ( 2 - 3 ) ذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 303 ) والواحدي في أسباب النزول ( ص 339 ) والبغوي في التفسير ( 6 / 60 ) عن مقاتل ، بدون إسناد .